كلنا ناقصون، والكمال لله وحده، لكن البعض يعتقد أن المرأة ناقصة دين؛ بسبب دم الحيض، في حين كانت المرأة مقدسة في الديانات القديمة بسبب ذلك الدم؛ لأن الإنسان الأول استنتج الارتباط بين الدم وبين الحمل والولادة؛ وبالتالي كانت المرأة تمثل إلهة الحبّ والإخصاب، وجاء الدين اليهودي ليعتبر الدم نجاسة، لكي يقلل من شأن ومكانة المرأة.
والبعض يعتبرها ناقصة عقل؛ بسبب العاطفة التي تسيطر على تفكير المرأة وعقلها، وتؤثر على سلوكها وذاكرتها كما يُقال؛ لذلك تُعتبر شهادة امرأتين تُعادل شهادة رجل واحد، (فتذكّر إحداهما الأخرى إن نسيت)، وحتى بالنسبة للإرث (للذكر مثل حظ الأنثيين).
ونستشف بعض الآراء المهمة للإجابة عن هذا السؤال.
تقول الأخت (هناء): إن كتاب الله يقول: "إنا خلقنا الإنسان في أحسن تقويم"، ولم يقل إنا خلقنا الرجل في أحسن تقويم، فلماذا تُحاسب المرأة قانونيًا إذا كانت ناقصة عقل؟ ثم إن الحديث سنده ضعيف جدًا، وإذا اقتنعنا أنَّ المرأة نصف المجتمع فهي من يربي كل المجتمع ذكورًا وإناثاً، كما لا يوجد سند علمي بأن المرأة (ناقصة دين)، بل هي مساوية تمامًا للرجل، ونعم، المرأة عاطفية، وهذا أمر إيجابي في صالحها؛ لأن القانون لا يمكن أن يخلو من الرحمة، والعاطفة صفة إنسانية، أما الغرائز فهي موجودة عند الإنسان والحيوان، ولقد جاءت الديانات والشرائع لتهذيب الغرائز ورقي الإنسان بإنسانيته".
ويقول الأخ (جعفر حسن) من البحرين: "لقد جاءت تلك القوانين قبل الإسلام، لكن تم تأكيدها بعد التوسع الإسلامي، وكان الهدف إبقاء الثروة ضمن القبيلة والعائلة الذكورية الممتدة، كما جاء تحريم تعدد الأزواج الذي يمثل هيمنة المرأة في عصور ما قبل الإسلام، مثل الخدن والاستبضاع وزواج المكثرة، وأُبقي على نظام الجواري وما ملكت اليمين، وتعتبر الجواري في الزمن القديم وسيلة لإنتاج الثروة؛ لأن المسبية تنتج العبيد الذين يعدون قوة إضافية عاملة في المناطق الحضرية، أو يُعرضون للبيع والمتاجرة في المناطق التجارية، ويبدو أنَّ تحديد الزواج بواحدة لا يُهدد الدين؛ (فلقد سنت مثلاً تركيا وتونس وماليزيا وإندونسيا)، قانون الزواج بواحدة، ولم تتأثر الحالة الدينية وظل الناس على تدينهم وإسلامهم، ويبدو أنَّ نزوع المجتمعات الإنسانية نحو تحديد الزواج ضمن الشروط المدنية، لسبب وجيه يتعلق بالحالة الاقتصادية، وللأسف نجد المرأة في مجتمعاتنا حبيسة لعلاقات الدم، ويوجد تصور ضعيف لعلاقات الإنتاج وجب لقدرات المرأة المشاركة فيها؛ فسيادة مفاهيم الرجل الحامي لحريمه، القوي القادر المسيطر المنفق المراقب المهيمن المعاقب، قتلت في نفسه الفرح الإنساني بالمشاركة، فكم من أب لم يستطع حماية أطفاله، وانكسر أمام سلطة أعتى منه، كالفقر والظلم والمرض، مما دفع المرأة للقيام بدور الأب والأم معًا، ولعله آن الأوان أن ننقذ أنفسنا من مفاهيم قديمة أغلقت أفق الحياة، والنظر إلى قيمنا وتقاليدنا من أجل خلق التوازن النفسي والاقتراب من الفرح".
ويقول الأخ (معن) من فلسطين: "كانت أمي تستيقظ فجرًا منذ الثالثة صباحًا؛ لكي تعدّ لنا الإفطار لنأخذه معنا إلى المدرسة، وتعدّ الغداء في الوقت نفسه، لكي يكون جاهزًا عند عودتنا من المدرسة، وكانت أمي تعمل كأبي تمامًا، مُعلمة في إحدى المدارس، وتعود كما أبي بعد الدوام، وعمل أمي المدرسي تحصل مقابله على راتب شهري، في حين أنَّ عملها المنزلي تقوم به مجانًا ودون مساعدة من أبي؛ لذا فإن جهد الحمل والولادة والتربية والأعمال المنزلية الشاقة التي لا تنتهي، غير محسوبة ضمن الجهد المادي للمرأة. ولقد كانت المرأة، من فرط ذكائها ودهائها، تُعتبر في الحضارات القديمة إلهة الحكمة؛ لذلك تم تسويق مقولة (المرأة ناقصة عقل ودين)، وادعّوا أنَّه حديث عن النبي (ص)؛ لكي يقللوا من مكانتها وشأنها".
النص القرآني يقول: (الرجال قوامون على النساء)، وتم تفسير القوامة بالإنفاق المادي، لكن الواقع الحالي في مختلف المجتمعات العربية والإسلامية، يقول إن المرأة تشارك الرجل في الإنفاق على الأسرة، بل وأحيانًا تفوق الرجل فيما تشارك به، وغالبًا في مجتمعاتنا لا يستطيع الرجل وحده أن يلبي متطلبات وحاجات الأسرة، كما لا ننسى العمل المنزلي المرهِق، ومهمة تربية الأبناء، غير المحسوب ماديًا، والذي تقوم به المرأة دون الرجل.
وبالنسبة للإنفاق، لا أرى إلا القليل من البيوت التي لا تشارك فيه المرأة براتبها من أجل تحسين وضع الأسرة، وأغلب الزوجات يعملن ويشاركن في مسؤولية الإنفاق المادي على الأسرة، في حين أنَّ الرجل لا يشارك المرأة في التربية والأعمال المنزلية إلا نادرًا؛ فلا هي ناقصة عقل، ولا هي ناقصة دين أو عمل أو جهد أو صبر وتحمّل؛ لذلك أكرر الشعار الذي رفعته عندما رشحتُ نفسي للمجلس النيابي في أول انتخابات برلمانية: المرأة نصف المجتمع، وهي تصنع النصف الآخر.
-----------------------------------
بقلم: د. أنيسة فخرو
* سفيرة السلام والنوايا الحسنة - المنظمة الأوروبية للتنمية والسلام






